Thursday, May 28, 2015

عن الإسكندرية وأشياء أخرى .. جمال الدولي

الترام الأزرق، الدودة الهائلة البطيئة، التي تربط بين شرق المدينة وقلبها كانت وسيلتنا المفضلة في منتصف التسعينات للنزول الى محطة الرمل، حينها كانت تلك لنا - نحن أطفال المدينة - فسحتنا الوحيدة التي تبدأ بالترام نفسه بكراسيه الجلدية وشبابيكه الواسعة و الرياح الشمالية الآتيه من البحر التي بسببها كنا نفضل مقاعد و شبابيك الجهة اليمنى من الترام . كنا نحفظ ونراجع في كل مرة ترتيب محطات الترام ، رشدي ، سيدي جابر ، كليوباترا ، سبورتنج ، الابراهيمية ،الأزاريطة ، القائد إبراهيم ، محطة الرمل ، نشاهد في الطريق أبنية الإسكندرية القديمة.

تلك المنازل التي تختلف عن منازلنا بقدمها وفخامتها وواجهاتها المزخرفة بمشغولات إيطالية ويونانية ، بقايا وجوه الملائكة وآلهة روما وأثينا ، مداخل الأبنية الرخامية الواسعة ، بواباتها الحديدية القديمة التي لم يأكلها الصدأ أو أكل بعض منها ، كنا نتلصص سريعا مع مرور الترام داخل البلكونات المفتوحة ، لم نر الكثير لكن بهرني ارتفاع الأسقف التي يزيد ارتفاعها عن الأربعة أمتار ، لابد أن سكانها سعداء ، هكذا قلت لنفسي . كنا نستغل أيضا فرصة علو طريق الترام في محطات الرياضة الكبري والصغري عن مستوى الشارع لنلقي نظرة علي نادي سبورتنج - واحة أغنياء المدينة - بمساحاته الخضراء الواسعة ، أشجاره ونخيله وبعض رواده الذين يمارسون رياضة الجري أو يلعبون الجولف . كانت رحلة الترام كأنها رحلة عبر الزمن . تنقلنا من شرق المدينة الحديث العشوائي عديم الجمال الي عوالم مدينة ساحرة ، عوالم مدينة أخرى . مع الإقتراب أكثر من قلب المدينة كانت تظهر تلك الجمل المكتوبة بطلاء أخضر علي الأبنية وجدران محطات الترام . تلك العبارات كانت تدور حول ثلاثة موضوعات . نادي الإتحاد السكندري ، سيد البلد طبعا ، جمال وجاذبية ليلى علوى وموضوعات سياسية بتناول ساخر وكان التوقيع دوما باسم جمال الدولي .

تحول جمال الدولي في عقلي - انا ابن العاشرة - لشخصية اسطورية ، بطل من ابطال الحكايات لم أع في وقتها ابعاد الكثير من كتاباته. رغم ذلك تأثرت به وبتوجهاته ، أحببت الإتحاد وشجعته رغم نفوري من كرة القدم ، أحببت ليلى علوي ، وعرفت ان هناك شخص ما غير مبارك ربما يحكم مصر . ألم يكتب بطلي الأسطوري بطلائه الأخضر وخطه الجميل " جمال الدولي رئيسا للجمهورية " .

مضت السنون سريعا. عرفت المدينة أكثر وأكثر ، حفظت شوارعها ومعالمها وعرفت الكثير من سكانها القدامى والمحدثين وعرفت كذلك عن أحوال البلد وعن الذين يحكموننا وواقعة نزول جمال الدولي " ملط " في مباراة كرة السلة بين الإتحاد والأهلي . في السنين الأولي بعد العام الألفين كنت أعمل في محل تجاري في محطة الرمل. وفي أحد أيام الصيف رأيت درويشا بعمامة خضراء وزي كامل لونه أخضر في أخضر وبيده مبخرة . رجل طويل ، رفيع ، أبيض ، معتد بنفسه لا يتحدث إلا

عن الاتحاد ، سيد البلد طبعا . كان هو جمال الدولي .

في البداية لم أتقبل الصدمة ، بطلي الأسطوري عامل بخور يجوب الشوارع بحثا عن جنيه أو نصف ؟ لم يتزوج ليلى علوي ولم يصبح رئيسا للجمهورية ؟ لأيام طويلة ظللت أتابعه ولا أجرؤ علي محادثته بداخلي رغبة شديدة لمعرفة من هو وما وراءه ؟ هل أعتقل من قبل ؟ هل تعذب ؟ هل يحب حقا ليلى علوي أم كانت رمزا لحلمه المستحيل .

في مرة من المرات دخل الينا المحل بمبخرته وعمامته وعينيه الخضراوين ، سألته فتاة سمراء بعينين خضراوين أيضا . كانت أجرأ مني وكانت تعمل معي . سألته بجرأة وتطفل : هل أحببت من قبل ؟ يومها حكى الكثير عن نفسه ، لم يذكر ليلى علوي ولا أخبرنا " متر الوطن بكام " . تكلم فقط تحت تأثير سحر الفتاة السمراء عن الشاب الجامعي الذي أحب ولا طالشى . كانت حكاية تقليدية جدا .عشتها أنا أيضا بعد ذلك . ربما عاشها اغلب شباب الوطن .

كثيرا ما أشعر أنني متوحد معه . الكل خذل جمال الدولي ، الحبيبة ، الوطن ، نادي الإتحاد ، لكنه لم يفقد إيمانه بالناس وبقي حتى الآن شعاره الأجمل عالقا في وجداني بعد أن توقف عن كتابة " الإتحاد سيد البلد " وكتب بدلا منها " جماهير الإتحاد سيد البلد " .

في السنوات الماضية كنت كلما شاركت في مظاهرة أبحث عنه ، رأيته في ملامح الكثير من المتظاهرين وكلما اقتربت منهم لم يكن هو . ربما تحول حقا لأسطورة سكندرية أخرى تعيش في وجداننا ، نحن شباب الإسكندرية وعشاقها ، جماهير المدينة ، أسياد البلد كما قال هو عنّا علي جدران المدينة بطلائه الأخضر وخطه الجميل .

Tuesday, March 31, 2015

عن الإسكندرية وأشياء أخرى

ما الذي يمكن أن أقوله يوما ما عن الإسكندرية ، عن مدينة تحتل العقل والروح ويحتلها الجسد ، كأنها أسرتنا في معركة  متوسطية قديماً. حبستنا بين أسوارها ، اوقعتنا في حبائل غواياتها اللا متناهية ثم ... ثم ماذا ، ثم هرمت وشاخت ولم يبق منها سوى جمال بائس ، ثمالة جمال امرأة خمسينية ، عطر وردة ذبلت وماتت أوراقها . لكنها تعدنا دائما بأمل خداع في أن تتجدد ، تستعيد عافيتها وسحرها . ما الذي يمكنني أن أقوله عن مدينة سلبتني ثلاثين عاما ولم اتشبعها حتى الأن . احفظ الكثير عن شوارعها وتاريخها ، حكايات مساجدها ، معابدها . شطآنها ، بحيرتها ، باراتها ، حكايات الناس القديمة التي سكنوها ، عن الكثيرين الذي أتوا اليها وأسرتهم بسحرها الغامض ، كتبوا عنها ولها . أعرف الكثير عن أولادها البررة والفجرة والعشاق والقتلة ، والكثير الكثير عمن حكموها وأسسوها ، فُتنوا بها وفتنوا بها العالم . ورغم كل ذلك أجدني تائها  فيها كأنني غريب أتى إليها من الجنوب - ربما ، بهرته وكتب عن عشقه لها وعن عشقها لرائحة البحر وعن تلك الفاتنة في البلاد البعيدة التي يعشقها البحر ، ربما هي تلك المتشمسة أمام المكتبة بفخذيها العريين المرمريين . آه يا اسكندرية ، هل يمكننا التحرر منك يوما ؟!

 الكتابة عن الإسكندرية أمر محفوف بالمخاطر  ، لن أقع في ذلك الفخ الذي تنصبينه ببراعة لكل من فتنوا بك وعندهم الرغبة في الكتابة . لن أصف يوما - فقط - شوارعك ، مبانيكِ ،  لن أصف ذلك الترام الأصفر العجوز الذي يتجول في شوارعك - مثلي - دون غاية أو هدف . لن أصف يوما هذا الميناء الشرقي الذي تحتله النوارس في الخريف . لن أقع أبدا في هذا الفخ يا مدينة ، اعرف أنك تخفين عني آلاف الحكايا ، أعرف أنك تعبثين بسكانك وعشاقك وزائريك ، أعرف أن لك روحاً تخفينها عني .. لازلت أبحث عن وجهك الحقيقي يا مدينة ولن أرضي بوجه سواه . يوم ما سألجك يا حبيبتي ، سأصل الي قرارة روحك ، غايتي ، حينها سيعم الخصب وتنفجر آلاف الحكايا . حينها ، حين أقابلك ، حين أعرف من أنا حقا ،سأعلن بكل فخر ، سكندريتي ، انتمائي لك ، أحقيتك فيّ ، حتي لو قدمت دمائي حينها ، ككل عشاقك الذين سبقوني ، كشاعرك العجوز ، كالإله الذي اختارك وتخلى عن أنطونيو .

يقول هيمنجواي ، لا يمكنك الكتابة عن مدينة إلا بعد أن تغادرها ، حينها ستراها بوضوح ، ستنكشف لك في يسر . لكن هل ستتركيني أنت يا مدينة ، أم ستملأين حقائبي بآلاف الذكريات ، وملايين التفاصيل الصغيرة ، القبلة الأولي علي شاطئك ، اللمسة الأولي ، العينان الخضراوان اللتان أحببتهن وأحببنني ، والأخريين السوداوين اللتين أحببتهن ولم يحببنني . رائحة اليود ، صليل عجلات الترام ، شجرة الياسمين الوحيدة في الشارع البائس ، مطاعمك ،  باراتك ، مقاهيك ، سينماتك ، صحبة الأصدقاء القديمة ، رائحة الغاز المسيل للدموع ،  ذكرياتي مع مئات الآلاف الذين جبت معهم في شوارعك بحثا عن الحرية . تكشفي لي يا مدينتي ، أرجوك ، ربما حينها أجد ذاتي ، أعرف من أنا ، وأعرف لماذا أسير في شوارعك كل يوم ، أطالع وجوه المارة الغرباء ، أطالع أبنيتك الجميلة والقبيحة، أرسم خرائط شوارعك في قلبي ، أفكر في التي أحبها ، أفكر في يا معشوقتي الأولي ، يا سكندريتي التي لم أعرفك - حقا - بعد .

Monday, March 30, 2015

اللي حب ولا طالشِ

فيه واحد حب ولا طالشِ
وواحد طال ولا نالشِ
وواحده عايشه بين الاتنين 
تقول الآه ماتوصلشِ

فيه واحد عاش علي الذكرى
وواحد مات من الذكرى
وناس بينهم كتير عايشين 
أملهم يوصلوا لبكره 

فيه ناس بتعيش عشان فكرة 
وناس بتموت عشان فكرة 
وناس أوساخ مابين الاتنين 
بتاكل عيش من الفكرة 

فيه ناس عايشه بفضل الله
وناس تقتل عشان الله
وناس حيرانه بين الاتنين
عشمهم يوصلوا لله 

فيه ناس بتفضل الوحده 
وناس تقتل عشان واحده
وناس ملايين قليلة الحيل 
تعيش مجبورة عالوحدة

فيه واحد حب وما طالشِ
وواحد حب وماقلشِ 
وواحد عاش على الذكرى
أكيد هيموت بدون بكره

Wednesday, March 25, 2015

تنهيدة


كانت سمراء بعينين خضراوين ، خصرها نحيف وقدّها ممتلئ قليلا . عرفت من نهديها الصغيرين أن خراط البنات قد زارها في البيت منذ عامين علي الأكثر . لكن أكثر ما جذبني نحوها حين دخلتُ متجر العطور والمكياج - حيث أعمل - كانت ابتسامتها التي تعبث بمعايير الجمال وتحول فم واسع وشفتين غليظتين سمراوين لقطعة شوكولاته شهية .

كانت الفتاة الأقدم بين العاملات تعلمها بعض الأمور الخاصة بالبضائع وبعض الأوليات في عملية البيع وعرض المنتجات علي الزبائن . قلت لابد أنها الفتاة الجديدة التي أخبرني عنها صاحب المتجر بالأمس . قلت السمراوات هن الجميلات . قلت أيضا أن القدر يبتسم لي.

 عرّفتها بنفسي وعرفت أن اسمها سمر ، وأنها قد أنهت دراستها الثانوية ولن تذهب للجامعة ، عرفت أيضا أنها مرحة وجميلة وشقية . قالت أنها متشجعة للعمل . قلت لنفسي أنها - لا بد - متطلعة للحب والحرية .

علي مدار اليوم كانت تقف أغلب الوقت علي مقربة من الفتاة الأقدم تراقب كيف تتعامل مع الزبائن و كيف تعرض عليهم المنتجات وكنت علي الخزينة أراقب لفتاتها وحركاتها ، حركة يديها علي " ريون " عرض البضائع ، مانيكير أصابع يديها الرقيقة ، شعرها الأسود المجعد  . بنطالها الجينز الأزرق الضيق الذي يبرز جمال ردفيها . " البادي " الأسود بياقته الواسعة  ، السوار الصغير حول كاحل قدمها الأيسر ، " الخمسة وخميسه " المدلاة من السوار الذهبي .

Monday, January 19, 2015

طرقات

الطرقات التي
توصل العمال
الي اعمالهم فجرا
هي ذاتها
التي تقودني
في الليل
مخمورا
الى حتفي..
الى سريرى..

Tuesday, November 25, 2014

رسائل إلى كوليت

1

عزيزتي كوليت ، 
كيف حالك ؟ وكيف هي نيويورك ؟ لابد أنها جميلة كما هي ، ومزدحمة لاجتماع كل الزعماء الحمقي في الامم المتحدة .. انا هنا وحيد بدونك ، في داخلي ظلمة وفي الخارج فراغ .. أحن الي جلساتنا في سبيت فاير وأنت تتحدثين عن الحب والحرب الحمقاء في غزة ، عن سيمون وسارتر ، هنومة وقناوي ، عن مدى عشقك للاسكندرية وروعة زجاجة ستيللا المثلجة .. انا وحيد يا كوليت ، وحيد جدا بدونك.


2

عن كوليت 

احتضنت يدها في يدي وقلت لها : يا كوليت إبق معي ، هنا ، الى الأبد
قالت، وما يهمنا في الأبد ، نحن معا الآن ، متحابان . لكني لا أضمن أن أكون أنا الغد هي أنا اليوم او الأمس ، مازلت ابحث عن نفسي . لا تنشغل بالأبد يا حبيبي ، نحن معا الآن دعنا نشرب البيرة ، نمارس الجنس ، نتحدث في المعضلات وتوافه الأمور ، وليساعد كل منا الآخر علي النضج والتشكل . الغد ليس لنا أما اليوم فبين أيدينا . حبني الآن .. الآن وفقط .. حبني بكل مانملك ، وهل نملك غير لحظتنا الراهنة 



3

صباح الخير يا كوليت ،
صباح الخير من مدينتنا الحبيبة ، الاسكندرية ، مدينتنا التي تبخل على عشاقها بالسعادة كما قال داريل . ثلاث ساعات من النوم المتقطع هي كل الراحة التي حصلت عليها ليلة امس بعد نهار مشحون بالرياضة والانفعالات النفسية ، وليل مشحون بالشجن والوحدة . لا أدري يا كوليت لم تعذبنا المدينة ، هل هي من خلق اله سادي تستمتع بتعذيبنا ؟ أم تقتات علي ارواحنا لتحافظ علي شبابها ؟ تلك العجوز المتصابية الحمقاء . أم نحن مجرد قرابين للآلهة المعتزلةةفي البلاد البعيدة ؟ 
الأجواء في الخارج تنبئ بيوم صيفي خانق .. رغم حلول فصل الخريف . حتى الخريف لا يلتزم بمواعيده في مصر يا كوليت .. حتى الطبيعة تخذلنا
في دوامات النوم امس ، قلت ليكن نهارا جديدا لكنه لم يكن . ربما رصيدي من الايام السيئة لم ينفد بعد
كنت وما زلت، يا عزيزتي كوليت، كما تدرين ،أخشى الوقوع في الحب . أخشي ان أشعر بتميزي ، او قيمتي عند أي امرأة . هكذا نحمي القلب من الوجع
ربما علي أن اراجع تفكيري في الايمان بالقدر ، ربما القدر يعبث بنا كما قلت لي يوم ما
ما كان قد كان يا كوليت . علينا ان نتحمل الوجع ، يوم أو يومان ، ارجو ألا يزيد عن ذلك
لا تتركيني وحدي يا كوليت . فالوحدة كجزار بليد بسكينة بليدة يتسلي في تقطيعي




4

عزيزتي كوليت ، هناك سائق سيارة أجرة تسلق احد اعمدة الاعلانات وشنق نفسه . صورته تملأ فيسبوك ، والتعليقات تدور حول دخوله الجنة ام النار او تدور حول مدي انحطاطه اجتماعيا ، شاهدت الصورة ولم اتأثر يا كوليت ، وسمعت اغنية اش اش اش لعبد المنعم مدبولي ووزعت بعض اللايكات علي بوستات الاصدقاء الذين شاهدوا الصورة مثلي وقرأوا الخبر وتجاوزوه .. نحن منحطون يا كوليت ، لا فرق بيننا وبين مجتمعنا.


5

عزيزتي كوليت ، 
عندك حق يا عزيزتي فيما قلتيه لي أمس تعليقا علي ما كتبت عن حب الكتب ، لازلت يا عزيزتي تفهمينني ، حتي دون ان اهمس . أظن فعلا انني غير قادر علي اقامة علاقات انسانية ، غير قادر حتي علي الحفاظ علي خيوط التواصل مع الاصدقاء ، غير قادر علي احتواء اي فتاة . مع كل ذلك ، أكره الوحدة وأرتعب منها ، وحدها الكتب يا كوليت تبدد وحشة الوحدة .. تسرقني من الاستغراق في ذاتي ، تنتشلني من جب الوحدة . إنني وحيد يا كوليت ، وحيد جدا ، ولا سبيل لتغيير ذلك . لتحيا الكتب يا كوليت ، اهتفي معي لتحيا الكتب. 




6

عزيزتي كوليت ،
لأجل باريس، ولأجلك، قرأت الوليمة المتنقلة لارنست هيمنجواي . ورغم خدعة هيمنجواي بتصنيفها كرواية لا كسيرة ذاتية له في باريس الا أنني تأثرت بها أيما تأثر .
تعرفين يا عزيزتي أن ظروفنا ووقت قراءتنا لكتاب ما تضيف لقيمته او تنتقص منها ، ووقتي هذا هو انسب وقت للوليمة المتنقلة ، كنت أحتاج لثرثرة هيمنجواي.
الوليمة المتنقلة أضاءت لي جوانب متعددة في نفسي ، ايجابية وسلبية ، عن الكتابة وعن علاقتي بنفسي وبمن حولي. ربما ليس الان الوقت المناسب لأقول انها - الوليمة المتنقلة - غيرتني .
امور كثيرة حدثت وتحدث لي يا عزيزتي . تزداد عزلتي ، واساءة فهمي من قبل الآخرين ، وشعوري بأنني غير مرغوب فيّ بحيواتهم . أزمتي الدائمة ، شعوري بأنني لا أضيف سوى المتاعب لكل من اقترب منهم .
تعلمين خوفي الدائم من الوحدة ، لكن يا كوليت قليل من العزلة ربما يكون أفضل لنفسي وللآخرين .
اخترت صديق عزلتي ، سيكون ارنست هيمنجواي . سأقرأ أعماله ، ربما ترمم بعض جوانب ذاتي المتهدمة .
كل ما أرجوه أن اكون افضل ، لنفسي وللاخرين .
إلى اللقاء يا عزيزتي 


7

عزيزتي كوليت ، 
عندي الكثير لأحكيه لك ، ولكني الآن لا امتلك قدرة نفسية للتواصل ، حتى معك أنت يا كوليت . تصوري !! 
كل ما أريد أن أخبرك به ، انني منبهر بارنست هيمنجواي
هيمنجواي كاتب عظيم ، عظيم جدا يا كوليت



8

عزيزتي كوليت ، 
يهيأ لي أني عرفت ما أريده في الحياة ، ليس كثير بالمناسبة ، فقط أن اؤلف عشرين رواية ومليون دولار ، والأهم من كل ذلك المرأة التي أحبها


9


كوليت ، 
ماذا أقول يا عزيزتي ، اشتقت اليك حد الجنون ، حد العدم . اشتقت لك كشوق الاسكندرية لفصل الخريف وقطرات المطر . ماذا اقول من كل تلك الجمل الحمقاء الاستعراضية التي أكرهها
عزيزتي كوليت ، ببساطة أقول ، ليتك بجانبي الآن ، هنا ، في مدينتنا العجوز الاسكندرية ، بعيدا عن صخب نيويورك التي اخترتيها لعزلتك ، لرحلة بحثك عن ذاتك ، وعن الله
احتاج اليك يا كوليت ، الكثير من الأمور تشغلني ولا صوت غير صوتك قد يساعدني في حسمها
من أين أبدأ يا ترى ، الافكار والتساؤلات في رأسي مختلطة ومتشابكة ، حتى افكاري يا كوليت تائهة وحائرة - مثلي- في رأسي
أول شكواي من الكتابة ، تلك النار التي تأكلني وتكويني في داخلي ، ذلك الكائن الخارق الاسطوري الذي أخشى مواجهته . ممزق أنا يا حبيبتي بين رغبة داخلية وعجز عن المواجهة في الواقع
أقرأ الكثير عن الكتابة ، عن الكتاب ، سيرهم وبداياتهم للكتابة . لكن يا كوليت كلما قرأت رواية عظيمة ، ككل البشر كاذبون ، اللص والكلاب ، رباعية الاسكندرية ، مئة عام من العزلة ، والكثير الكثير من الروايات العظيمة يا كوليت تزداد الهوة بيني وبين الكتابة ويتملكني الشعور بالعجز من كتابة رواية رائعة ، رواية " حلوة " مثلك يا كوليت
كيف أكتب يا حلوتي وأنا لم أتشكل بعد ، لم أصل لأرض صلبة ، أي أرض يا كوليت . كل فترة ألحظ تغيرات في شخصيتي ، في علاقتي بنفسي وبالعالم
تعرفين تلك التركيبة الغريبة من كراهيتي لتكوين صداقات جديدة مع خوفي من الوحدة ورغبتي أن اكون محاطا بأصدقائي القدامى . اكتفائي بمشاهدة الحياة ، ملاحظة التغيرات وتحليلها ، عزوفي عن المشاركة في الحياة واختبار التجارب . كل هذا تغير يا كوليت ، تغير لتوليفة عكسية غريبة ايضا ، فالوحدة لم تعد تزعجني ، بت استمتع بانفرادي بنفسي ، ولم اعد ابالي بدوائر الامان ، لا امانع في تكوين معارف جدد ، وتملؤني رغبة جنونية بالتجربة ، تجربة كل ما يشكل خطرا
اما الحب ياكوليت ، الحب الذي يأتي دائما في اوقات لا نتوقعها ، احتفظ به في قلبي ، حتي طبيعتي الشاعرية اتخلص منها ، لم نفرط في مشاعرنا ، ولم نعبر عنها، الحب شئ والتعبير عنه شئ اخر يا كوليت
اعتني بنفسك يا عزيزتي ، واخبريني عن نيويورك ، ولحديثنا بقية .



10

عزيزتي كوليت ،
حاولت ان اكتب لك بالأمس ، لكن الكتابة راوغتني ، هربت مني كل حروف اللغة ، يقولون حين تراوغك اللغة وتعجز عن الكتابة ، اكتب عن عجزك عن الكتابة . نصيحة بالغة السذاجة يا كوليت ، ماذا عن عجزنا أن نحيا ، كيف نلتف عن كل عجز أصابنا ، هل نترك الحياة ونتفرغ لللعويل كتابة عن كوننا حمقى ، بائسون عديمي النفع .
اجلس الان وحيدا في المقهي ، الاتحاد السكندري ، هل تذكرينها يا كوليت ، جلسنا بها مرة سويا ، وسط تجار الاسماك ، المحامين والمدرسين الذين يلعبون الشطرنج ، العواطليه وسكان المنطقة ومجرميها ايضا . يجلس غير بعيد عني ، علي بعد طاولتين الرجل المنعزل دائما ، شبيه محمد خان ، المخرج الذي يجمعنا حبنا له وسط امور كثيرة تجمعنا يا كوليت . وحدة الرجل شبيه خان تقلقني يا كوليت ، هل اصير مثله في الكبر ، وحيدا منعزلا غير قادر علي التأقلم والاندماج ؟! .
لعن الله الوحدة يا كوليت ، لكن ماذا يفيد لعن القدر ، هل غير اللعن واقعا في اي يوم من حياة اجدادنا علي الارض ! .
الخريف يزحف علي الاسكندرية يا كوليت ، تعرفين قدرتي علي التنبؤ بالمطر كقدرة الكلب علي التنبؤ بالزلازل ، هكذا هو الخريف بالنسبة لي ، يأتي دائما بحالات الشجن ، يزلزل طبقات النفس والروح المضطربة في الاساس . اسير وحيدا في شوارع المدينة ، سماعات الموسيقي في اذني ، لجأت الي فيروز بعد انقطاع دام بيننا لأعوام ، فيروز تفصلنا عن الوطن والناس تحلق بنا بعيدا في فضاءات المجهول ، آه من المجهول يا كوليت ، لن يأتي سوى بالأسواء ، اعرف ذلك واتقبله . ألم أقل لك أن لعن القدر بلا فائدة .
حتى الحب يا كوليت ، يطالعني كنجمة في الفضاء ، نجمة في المجهول ، لا يفصلنا عنها سوى ملايين السنين الضوئية ، واحتمال أن تكون قد تلاشت من مليون عام او اكثر ، وما ضوؤها الا اشارة وصلتني متأخرة ، أنا دائما متأخر يا كوليت ، تعرفين ذلك .
لنعد للوحدة ، أرجو الا تكوني وحيدة مثلي في مدينة الهولنديين المغامرين ، التفاحة الكبرى ، نيويورك .
سلام لك يا عزيزتي ، سلام لكل الوحيدين في العالم ، من مدينة تقسو علي محبيها ، مدينتنا الأثيرة ، الإسكندرية.

Friday, November 14, 2014

سفر الأيام السبعة

اليوم الأول
في البدء كنت أنا ، أنا وحدي ، وكانت الأرض خربة خالية من الحب والأمان. قيل ليكن قلب ، فكان قلب ودعي إيمان . قيل لا وجود بغير ثنائية ، الليل والنهار ، الماء والنار ، الحب والبغضاء ، قيل ليكن عقل كي تكتمل الثنائية فكان عقل ودعي حيرة وشكا .

 اليوم الثاني – وكان يوافق اليوم الأول لها .

قيل ليكن في الأرض خير ، ليكن نهر حريري أسود ، قمرين سوداوين ، قلب عطوف وروح رفرافة . فكانت هي . ورأي الرب ذلك أنه حسن .

اليوم الثالث

قيل لقد خلقناه في كبد .. ليحرث الأرض ويبذل الجهد والعطاء لغير سبب . حمل الرسالة وكان جهولا ، قيل لتكن رحمة في الأرض ، ليتبدد الشك والهم ، قيل فليلتقيان، فالتقيا . وكان ربك رحيما .
اليوم الرابع

قيل ليكن في الأرض حب ، كان بذرة في القلب ، فجنينا ، فطفلا ، فإلها ، قيل ليكن إيمان وليستقر الروح الحائر ، لينمو الزهر ويسقط المطر وتنفجر ينابيع القلب والأرض . قيل أن الرب لم يبد موقفا مما كان أحسن هو أم غير حسن .

اليوم الخامس – وكان يوافق اليوم الثاني في القصة الموازية –قصتها .
( من بشارة منحولة ترفضها المعاهد اللاهوتية )